أسهمت المملكة العربية السعودية منذ أكثر من خمسين سنة في تحقيق الاستقرار والسلم في المجتمع الدولي من خلال كل المنظمات التي أسهمت في تأسيسها ورعايتها مثل مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربيةومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها، وقد أسهمت المملكة في مجالات تحقيق التنمية المستديمة لبلدان الجنوب خاصة منذ الطفرة النفطية مع بداية السبعينيات.
وهكذا يظهر البرنامج السعودي للمعونات الخارجية أن حجم هذه المساعدة بلغ خلال عقدين فقط ما يفوق سبعين ملياراً وستمائة مليون دولار استفادت منها اثنان وسبعون دولة نامية (1) .
وسوف نقسم هذا المقال إلى قسمين الأول يتحدث عن جهود المملكة من أجل تحقيق التنمية في الإطار الإقليمي ، على حين يتحدث الثاني عن الدور الذي لعبته في إطار التنظيم العالمي وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
أولاً : دور المملكة في إطار التنظيمات الإقليمـية:
تبرز أهمية الدور الذي أدته المملكة في الميدان الاقتصادي إقليمياً ضمن العديد من الدوائر التي تنطلق من الحركية الاندماجية التي أضفتها على العلاقات بين دول الجوار في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الرغبة الأكيدة في تفعيل التعاون العربي من خلال إنشاء منطقة تبادل حر وسوق عربية شاملة وأخيراً إلى توجه يرمي إلى تأكيد روح التضامن الإسلامي من خلال العديد من المؤسسات النشيطة وعلى رأسها البنك الإسلامي للتنمية.
وهكذا كانت المملكة حريصة دائماً على تحقيق أعلى درجات التعاون والانسجام في العلاقات بين بلدان الخليج العربي، وحرصت تباعاً على إيفاد البعثات من أجل التوصل إلى صيغة متكاملة لبناء المستقبل (2).
كما أن المملكة أدت دوراً حاسماً في إخراج مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الوجود عندما وقع رؤساء الدول دستور المنظمة الجديدة. وبغض النظر عن الجوانب السياسية لعمل المنظمة الجديدة فإنها يمكن أن تدرج ضمن المنظمات الإقليمية الاندماجية التي تعطي الأولوية للنشاط الاقتصادي؛ إذ كان من النتائج المباشرة لهذا التأسيس ارتفاع هائل في حجم التبادل التجاري بين المملكة وباقي أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية .
كما أن المجلس وبدعم من المملكة قام في سنة 1403هـ/1983م بتأسيس مؤسسة الاستثمار الخليجي التي تقوم بالاستثمار في طائفة عريضة من المشروعات الصناعية والزراعية في بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ولا يشك أحد الآن في أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية خطا خطوة جريئة في اتجاه التكامل الإقليمي ، كما أنه نجح في أعماله بصورة تبعث على الإعجاب، ولم يكن ذلك إلا نتيجة حتمية للتجانس بين الأعضاء ، والتزامهم بأصول دينهم وحضارتهم، وكذلك بفضل مصالحهم المشتركة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وأخيراً بفضل الدور الممتاز الذي أدته المملكة العربية السعودية بصفتها الحافظ للتوازن والمرجح كلما دعت ضرورات الانسجام والاستمرار إلى ممارسة ذلك الدور.
وفي إطار الجامعة العربية حرصت المملكة دائماً على تجاوز حالة التجميد التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية العربية ، فدعمت بشكل قوي كل المنظمات الفرعية العربية، ومن بينها وعلى سبيل المثال فقط الهيئة العربية للاستثمار والتنمية في الميدان الزراعي، التي تهدف أساساً إلى المساعدة على تحقيق التنمية الزراعية للعالم العربي، وكذلك الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي يعمل على تمويل مشاريع التنمية الاقتصادية في البلدان العربية .
كما أدت المملكة دوراً أساسياً ضمن اللجان ذات الطبيعة الاقتصادية التابعة للجامعة، وخاصة منها لجنة الخبراء العرب في التعاون ، وكذلك النفط واللجنة الاقتصادية واللجنة الاجتماعية. كما أدت دوراً أساسياً في مداولات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة. ونظراً للتأخير الكبير في إنجاز استحقاقات الاندماج العربي الموعود من خلال اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة فقد حرصت المملكة في سائر اللقاءات العربية على التذكير بتلك الاستحقاقات واضعة رهن إشارة المنظمة ، وكذلك مؤسسات العمل العربي المشترك كل الإمكانات الضرورية لتفعيل نشاطها ودعمه .
فالمملكة ترى أنه لو طبقت الاتفاقيات القائمة تحت مظلة الجامعة العربية لحرر جزء مهم من التجارة العربية البينية (3)، ولكان ذلك التحرير هو الخطوة الأولى لتحقيق منطقة شاسعة للتبادل الحر عبر العالم العربي. كما ترى المملكة أن الترسانة القانونية في هذا المجال قد أصبحت غنية بفضل ما أسهمت به المجالس الوزارية المتخصصة مؤاخذة على بعض البلدان العربية عدم التزامها بتعهداتها الخاصة بتنفيذ تلك الاتفاقيات وتباطؤها في تحرير السلع المتفق عليها مما يشكل عائقاً كبيراً لتحقيق هذا الطموح (4).
وقد رأت المملكة في ظل التطورات المرتبطة بالنظام العالمي الجديد ورهانات العولمة والشمولية الناتجة عن تنفيد اتفاقيات الجات أن إنشاء منطقة التبادل الحر العربية أصبح ملحاً وضرورياً وذلك تنفيذاً لقرار القمة العربية التي انعقدت بالقاهرة في سنة م التي دعت إلى تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي باتخاذ سائر التدابير لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
وهكذا دعمت المملكة إقرار البرنامج التنفيذي لتحقيق هذا المشروع على مدى عشر سنوات تنتهي بإنشاء سوق عربية كبرى.
وتجدر الإشارة إلى أن المملكة كانت من بين أولى الدول التي شرعت منذ سنة 1983م في إلغاء التعرفة الجمركية على قوائم السلع العربية المتفق عليها (5) ، كما أنها تعهدت صراحة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من أجل الالتزام بشكل دقيق بمقتضيات البرنامج التنفيذي قصد الوصول سنة 2007م إلى تنفيذ محكم للجدول التاريخي للاستحقاقات الهادفة إلى إنشاء سوق عربية كبرى (6).
وهكذا يظهر واضحاً أن نظرة المملكة إلى التعاون والتضامن العربي لم تعد تقتصر على سياسة المساعدة التي تبقى نتائجها ظرفية ومحدودة ، بل أصبحت تركز على تحقيق الاندماج العربي بشكل متدرج ينتهي إلى إنشاء سوق مشتركة مما يؤدي إلى زيادة العرض والطلب على السلع والمنتجات العربية ، ونمو التجارة العربية ، ويسهم في خلق فرص العمل ، ونمو الناتج المحلي الإجمالي في الأقطار العربية كافة.
وبالتأكيد فإن تقوية الجبهة العربية على المستوى الاقتصادي سيكون هو الوسيلة المثلى لدعم القدرة التفاوضية للوطن العربي في مواجهة التحديات الخطيرة التي يحملها القرن الحادي والعشرون ، وعلى وجه الخصوص تحديات المنافسة التجارية ، وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى ، ومظاهر العولمة الناتجة عن توقيع أوفاق الأورغواي ، وإنشاء المنظمة العالمية للتجارة.
أما على المستوى الإسلامي فقد رأت المملكة دائماً أن التضامن السياسي لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين وعلى رأسها استعادة القدس الشريف ينبغي أن يكون مقروناً بجهد دؤوب لتحقيق التضامن اقتصادياً عن طريق مساعدات التنمية.
وهكذا كانت المملكة ومنذ منتصف السبعينيات في صدارة المتبرعين لأغراض المساعدات الرسمية للتنمية (7)، على حين بلغت هذه النسبة 4,2 % من الناتج الوطني الإجمالي على حين لم تتجاوز لدى أكثر البلدان الغربية نسبة 0,35% .
وقد عملت المملكة في إطار منظمة المؤتمر الإســلامي على إنشاء العديـــد من الأجهزة (8) التي يبقى أهمها البنك الإسلامي للتنمية الذي برهن منذ تأسيسه على فعاليته وقدرته على العمل الجاد والإبداع في استحداث البرامج والوسائل الناجحة لتحقيق أهدافه سواء في مجال إقامة المشاريع الاقتصادية والاجتمــاعية أو الإسهام في تنمية التبادل التجاري والتمويلي وزيادته بين الدول الأعضاء (9).
واقترحت المملكة نظراً لزيادة عدد الأعضاء البنك الإسلامي للتنمية و توسع المجال الجغرافي لنشاطه تشكيل لجنة تنظر في ما يمكن إعداده لمواجهة تحديات المستقبل.
وقد أعدت تلك اللجنة تقريراً مفصلاً في الموضوع تضمن العديد من التوصيات فيما يتعلق بالموارد المالية للبنك والتعاون الاقتصادي والأنشطة المتصلة به، كما أوصت اللجنة بالموافقة على الأولويات المبينة في الخطة الإستراتيجية للمدى المتوسط الموضوعة من طرف البنك ، وهي خطة تهدف في إطار سياسة الخصخصة - التي أصبحت تشكل النموذج الأمثل لنشاطات الاستثمار - إلى تعزيز تمويل القطاع الخاص وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وذلك من خلال تقديم الدعم إلى المؤسسات الوطنية للتمويل التنموي (10).
وتعد المملكة العربية السعودية أكبر مسهم في رأس مال البنك الإسلامي للتنمية كما أن بقاءه واستمرار نشاطه مدين بشكل خاص لجهودها التي ركزت بالأساس على البحث عن صيغ وآليات جديدة مثل برنامج تمويل البنية الأساسية ، وبرنامج تعاون البنك مع المنظمات غير الحكومية لتطوير الوقف الإسلامي ، وبرامج المساعدة الفنية ، وصندوق حصص الاستثمار والتمويل المباشر للقطاع الخاص (11).
وفي الواقع فإن مساعدات المملكة للعالم النامي على الصعيد الإقليمي لا تقتصر على البنك الإسلامي للتنمية ، بل توجه عبر العديد من القنوات بما فيها صندوق الأوبك للتنمية الدولية، وبنك التنمية الاقتصادية الإفريقي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وصندوق النقد العربي ، والشركة العربية لضمان الاستثمار.
ثانيا : دور المملكة التنموي على المستوى العالمي:
لم تقتصر جهود المملكة في دعم التنمية والرخاء الاقتصادي على محيطها العربي والإسلامي بل تجاوزتها إلى العالم الثالث والمجتمع الدولي ، إذ أصبحت ترصد نسبة كبيرة من ناتجها القومي الإجمالي لمساعدة البلدان النامية على تنفيذ برامج التنمية الخاصة بها، وهو إسهام بلغ في بعض سنوات العقد الماضي ما نسبته 6 % من الناتج القومي الإجمالي ، وذلك في وقت لم تف فيه البلدان الصناعية بوعودها التي كانت تقتصر نظرياً على نسبة قدرها 0,7 % من الناتج القومي الإجمالي.
ويعتبر الصندوق السعودي للتنمية القناة الرئيسة التي تقدم بوساطتها المملكة مساعداتها(12)، وعلى الرغم من حداثــــة عهده فقد قطع أشواطاً كبيرة في ميـــدان التعـــاون التنموي الدولي ؛ إذ يسهم اليوم في تمويل 276 مشروعاً موزعة في أكثر من ستين بلداً(13).
وسوف نحاول ضمن هذا المقال التعرض من جهة إلى الدور الذي مارسته المملكة في دعم المنظمات الدولية الإنمائية بشكل عام على حين نفرد الجانب الثاني لدورها في مؤسسات بروتن وودز وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .
أ ) دور المملكة في التنظيمات الدولية بشكل عام:
لقد عملت المملكة ابتداء من عقد السبعينيات على توظيف فوائضها النقدية بشكل مكثف في الميدان التنموي.
وهكذا عملت على دعم جهود برنامج الغداء العالمي في إيصال المواد الغذائية إلى المحتاجين عبر كل بلدان العالم ، وهي تبرعات نقدية وأخرى عينية ، وذلك بمعدل يزيد عن 100 مليون ريال في السنة (14) . كما وضعت إلى جانب البلدان الخليجية الأخرى ابتداءً من سنة 1401هـ/1981م برنامج الخليج لمؤازرة المنظمات الإنسانية والإنمائية التابعة للأمم المتحدة، وقد قدمت المملكة بمفردها نحو78 % من موارد هذا البرنامج الذي رصد 40 % من موارده لدعم منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف)، كما استفادت منه العديد من المنظمات الأخرى مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة العمل الدولية وبرنامج البيئة واليونسكو وصندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية .
وقد أسهمت المملكة في جهود الأمم المتحدة لمحاربة الأمراض وخاصة البرنامج العالمي للقضاء على مرض عمى النهـر (15) حيث شاركت في الاجتماعات الدولية المخصصة لتعبئة الموارد المالية والتقنية لتنفيذ المراحل الثلاث لهذا البرنامج.
وفي مجال مساعدة اللاجئين ، وتقديراً من المملكة للدور الإنساني الذي تضطلع به مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فقد اعتادت أن تقدم لها إسهاماً سنوياً لدعم نشاطها ، كما تبرعت لفائدتها بشكل جزافي خلال المؤتمر الأول والمؤتمرات الموالية بمبالغ مالية مهمة وبكميات ضخمة من الحبوب خصصت لمساعدة اللاجئين في إفريقيا ، وخاصة اللاجئين في الصومال(16).
وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين على وجه الخصوص فقد سبق للمملكة أن أسهمت في إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (الأونروا) التي أنشأتها الأمم المتحدة عقب احتلال إسرائيل لفلسطين ، وهكذا وتقديراً من المملكة للدور الذي أدته هذه الوكالة في حق أكثر من مليون من اللاجئين الفلسطينيين فقد دأبت على الإسهام سنوياً في ميزانيتها ، كما أنها تدخلت مرارا لتغطية العجز الذي أصبحت تعانيه.
وفي الإطار الإنساني نفسه دعمت المملكة الجهود التي تبذلها اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهلاله ، حيث دأبت على دعم ميزانيتها السنوية ، كما قدمت لها مساعدات استثنائية بلغت حوالي 80 مليون دولار (17).
وبصفة عامة فيمكن القول إن المملكة أسهمت بشكل مكثف في دعم كل المنظمات العالمية الهادفة إلى تحقيق التنمية والرخاء لبلدان الجنوب، بل إنها كانت في كثير من الأحيان من العاملين على تأسيسها وإخراجها إلى حيز الوجود.
ففي خضم المطالبة بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد واعتبارا لسياسة الهيمنة التي كانت تمارسها البلدان الغربية داخل منظمة التغذية والزراعة فقد عملت المملكة داخل منظمة الأوبك وداخل مجموعة السبعة والسبعين من أجل إخراج الصندوق الدولي للتنمية الزراعية إلى حيز الوجود ، وأدت الضغوط التي مارستها المملكة بسبب مركزها المتفوق داخل الأوبك إلى إقناع البلدان الغربية بالإسهام في رأس مال الصندوق الجديد الذي أصبح ابتداء من سنة 1976م منظمة متخصصة تابعة للأمم المتحدة ، وما زال يقدم منذ ذلك التاريخ قروضاً ميسرة لبلدان الجنوب من أجل دعم التنمية الزراعية في المناطق الريفية ودعم صغار الفلاحين (18) .
ب ) دور المملكة في مؤسسات بروتن وودز :
لقد اختارت المملكة العربية السعودية أسلوباً واعياً في توظيف فوائضها المالية التي أفرزتها الطفرة النفطية مع بداية السبعينيات ، وهكذا واعتبارا للاحترام الذي يحظى به صندوق النقد الدولي بوصفه منظمة متخصصة تابعة للأمم المتحدة وبصفته مؤسسة ضابطة وموجهة للنظام النقدي والاقتصاد العالمي ، فقد رأت المملكة أن توجه إليه جزءاً مهماً من فوائضها خدمة بالأساس لمصالح البلدان النامية وللاقتصاد العالمي.
وقد بلغ الإسهام السعودي في الصندوق أوجه في أواخر سنة 1981م عندما رفع المجلس التنفيذي إلى مجلس المحافظين توصية بزيادة حصة المملكة لتصل إلى 2100 مليون وحدة من وحدات حقوق السحب الخاصة؛ أي ما يعادل 2,5مليار من الدولارات(19)، وكانت النتيجة المباشرة لذلك زيادة القوة التصويتية للمملكة من 1,74 % إلى 3,5 % مما أصبحت معه تحتل المركز السادس بصفتها مسهمة في رأس مال الصندوق (20).
وقد مكنها هذا الوضع على وجه الخصوص من أن تتمتع منذ ذلك التاريخ بمركز العضوية الدائم داخل المجلس التنفيذي للصندوق، وهو ما يخولها من أن تلعب دوراً أكثر أهمية في الدفاع عن مصالح البلدان النامية داخل هذه المؤسسة الاقتصادية الكبرى.
لقد أخذ الإسهام السعودي في نشاط الصندوق أشكال عدة فقد توسع انطلاقاً من عقد السبعينيات حجم القروض التي قدمتها المملكة للصندوق لتمويل سياسته ، وهي قروض وجهت أساساً لتمويل برنامج التسهيلات النفطية لسنة 1974م (21) و 1975م، وكذلك من أجل تمويل تسهيلات التمويل التكميلي التي طورها الصندوق ابتداء من سنة 1977م لمساعدة البلدان النامية في تغطية احتياجاتها لمواجهة الصعوبات المالية الكبيرة التي تعاني منها في موازين أداءاتها.
وقد توجت المملكة هذه السياسة الإقراضية مع الصندوق بعقد اتفاقية قروض ضخمة جعلت منها أكبر مقرض للصندوق على الإطلاق ؛ إذ بلغت قيمتها 10 مليارات من الدولارات خلال سنتي 1981م و 1982م، وهي قروض توجهت على وجه الخصوص لتمويل البرامج الإقراضية للبلدان النامية التي تعاني من عجز كبير في موازين مدفوعاتها.
ويعد كثير من المسؤولين السعوديين أن هذا الحضور القوي في مؤسسات بروتن وودز وخاصة الصندوق الموجه أساساً لخدمة التعاون الدولي والاقتصاد العالمي وعلاقاتها الودية مع البلدان الصناعية والنامية على حد السواء.
لكن هل تمكنت المملكة العربية السعودية حقاً من تحقيق تحول جذري في آلية اتخاذ القرار داخل هذه المنظمة الاقتصادية الكبرى؟
للجواب عن هذا السؤال ينبغي أن لا نفرط في التفاؤل ، فالبلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تعد الصندوق وسيلتها الممتازة للتحكم في الاقتصاد العالمي وفرض شروطها على البلدان النامية ، بل وتوجيهه لخدمة إستراتيجيتها الشمولية ومصالحها الحيوية ، وأكبر دليل على ذلك هو التحول المهم الذي عرفته عملية الإقراض نحو بلدان المعسكر الاشتراكي السابق التي أنشأ الصندوق من أجلها آلية جديدة تعرف بآلية دعم الاقتصاديات في طور التحول ، وهكذا أصبحت كل من روسيا وبلدان أوربا الشرقية تحصل على قروض بعشرات المليارات من الدولارات في وقت يضاعف فيه الصندوق من قيود المشروطية المنفذة في إطار مسطرات التقويم الهيكلي على بلدان الجنوب.
وقد دخل الصندوق خلال الأشهر القليلة الماضية مرحلة جديدة في نشاطه الإقراضي تتمثل في تقديم الدعم إلى البلدان الآسيوية التي تعرضت للأزمة المالية ، وهي سياسة تندرج ضمن أولويات الإستراتيجية الغربية الهادفة إلى حفظ توازنات الاقتصاد الليبرالي.
هكذا إذن يبقى من المستبعد - على المدى القصير على الأقل - أن تتمكن أي من البلدان العربية أو النامية من إدخال تغييرات جذرية على نظام الصندوق ابتغاء المشاركة بشكل مؤثر في آلية اتخاذ القرار فالولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لا يتوانون عن التهديد صراحة بأن أي تعديل على النظام الحالي للصندوق يؤثر على مصالحهم سيجابه بإجراءات مالية تحرم الصندوق وغيره من المنظمات المالية الدولية من كل عون مالي هي في أمس الحاجة إليه.
وخلاصة القول أنه على الرغم من كل الإحباطات المحيطة بدور البلدان النامية والعربية على وجه الخصوص داخل المنظمات الدولية الكبرى فإن المملكة العربية السعودية استطاعت أن تخترق هذا الواقع لتسهم بشكل مؤثر في دعم مركز البلدان النامية داخل تلك المنظمات وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
فبفضل هذا الإسهام بادر الصندوق إلى وضع برنامج خاص للنهوض بالإصلاح الهيكلي ومؤازرته في البلدان الأقل نمواً ، وهي عملية أدى فيها الصندوق السعودي للتنمية دوراً أساسياً ، كما أن الحضور الدائم للمملكة من خلال عضوية المجلس التنفيدي أدى إلى نتائج إيجابية لمصلحة بلدان الجنوب ، سواء إذا تعلق الأمر بفحص رسائل النوايا أم تنظيم الاستشارات السنوية أم اعتماد برامج التقويم الهيكلي أم على وجه الخصوص البت في طلبات الإقراض.
خاتمـــــــــــة:
إن المملكة العربية السعودية قد أقامت صرحاً خالداً يرتكز على مجموعة من الثوابت محلياً وإقليمياً ودولياً.
فانطلاقاً من تمسكها الثابت بمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء والتزامها بميثاق الأمم المتحدة واحترامها التام للشرعية الدولية وقراراتها وتشبثها بمبادئ العدل والإنصاف في المجتمع الدولي ، فإن المملكة أعطت كل أعضاء المجموعة الدولية نموذجاً رائعاً تعتز كل بلدان الجنوب باحتذائه ، والسير على منهجه ، إنه نموذج الخصوصية العربية الإسلامية التي تقدم للإسلام أمام العالم أجمع صورة مختلفة عن تلك التي تشيع لها أبواق الدعاية الرخيصة في الغرب ، فالإسلام كما تقدمه المملكة من خلال سلوكها ومبادراتها وإسهامها داخل المنظومة الدولية يرفض العنف والإرهاب ، ويدعو إلى التآخي والسلام ، وإلى حل المنازعات بالطرق السليمة ، وتحكم مبادئ العدالة والإنصاف ، وهو إلى كل ذلك يدعو إلى التضامن والتآزر بين كل أطراف المجتمع الدولي ، وهو ما يفسر الجهد الدؤوب للمملكة من أجل تقديم المساعدات ، ودعم جهود كل المنظمات الهادفة إلى تحقيق التنمية في كل بقاع العالم ، والمملكة إذ تسير على هذا النهج فهي ترى أن المجتمع الدولي قرية واحدة محكوم على أفرادها بالتعارف والتعايش والتعاون لمصلحة الجميع ومصداقاً لقوله تعالـى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } الآيــة.
الهـوامـــش
(1) انظر بهذا الخصوص مجلة المبتعث العدد 166 جمادى الآخرة 1416هـ/ نونبر 1995م، ص 11.
(2) في يناير 1971م شكلت لجنة سعودية كويتية برئاسة كل من الأمير نواف آل سعود المستشار الخاص للملك فيصل، والشيخ الصباح الأحمد الصباح وزير الخارجية الكويتي ، حيث أجرت اجتماعات مع تسعة قادة خليجيين ، وطرحت عليهم مقترحات مشتركة تتعلق بتسوية المشكلات الدستورية العالقة بخصوص إنشاء اتحاد فيدرالي لتلك البلدان. انظر لمزيد من التفصيل:
DR HUSSAIN M AL BAHRANA « The Arabian golf states , theire legal and political status and their international problems » second edition 1978 P 24.
(3) تأسست الهيئة العربية للاستثمار سنة 1396هـ/1976م ، ومقرها الخرطوم بالسودان، أما الصندوق فتأسس في عام 1388هـ/1968م ، ومقره الصفاة بالكويت.
(4) تنص المادة السادسة من اتفاقية تحرير التجارة العربية على التحرير الفوري للسلع الزراعية والحيوانية والمواد الخام المعدنية وغير المعدنية.
(5) كلمة الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية والاقتصاد الوطني السعودي أمام المجلس الاقتصادي و الاجتماعي الدورة العادية 57 القاهرة 6 مارس 1996م ، منشورات الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية ، ص 126 وما بعدها.
(6) اتفاقية تسيير التبادل التجاري بين الدول العربية وتنميته ، وقد دخلت حيز التنفيذ ابتداء من سنة 1983م.
(7) انظر بهذا الخصوص كلمة الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية والاقتصاد السعودي أمام الدورة العادية 61 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، بالقاهرة 9 فبراير 1998م، منشورات الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية ص 139.
(8) بلغت قيمة المساعدات من عام 1395 هـ/1975م إلى عام 1407هـ/1987م، 48 ملياراً من الدولارات وهي معدات اتجهت خلال عقد التسعينيات إلى الانخفاض بالنظر إلى تراجع عائدات النفط.
(9) كلمة الأستاذ أحمد مسعود السياري المحافظ بالإنابة عن المملكة العربية السعودية أمام مجلس محافظي البنك الإسلامي بتاريخ 28 يناير 1997م، وثائق جلسات الأعمال، ص 121.
(10) انظر بهذا الخصوص : نص كلمة الدكتور جبارة الصريصري المحافظ بالإنابة عن المملكة العربية السعودية أمام مجلس المحافظين التابع للبنك الإسلامي للتنمية المنعقد بإندونيسيا ، المصدر السابق، 125 وما بعدها.
(11) انظر نص كلمة الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز العساف المحافظ عن المملكة العربية السعودية في الاجتماع السنوي لمجلس البنك الإسلامي للتنمية الدورة 22 دمشق ، المصدر السابق، 199.
(12) أنشئ هذا الصندوق بمقتضى مرسوم ملكي صدر سنة 1394هـ/1974م وبدأ يزاول عملياته ابتداء من سنة 1975م وقد كان رأس مال الصندوق عند إنشائه 10.000 مليون ريال سعودي ثم ارتفع رأس ماله مرتين ليصبح 25.000 مليون ريال.
(13) يعد هذا البرنامج نتيجة لاتفاقية وقعت بين كل من الأمم المتحدة ومنظمة التغذية والزراعة ويوجد مقره في روما ، وله ممثلون إقلميون في البلدان المستفيدة من المساعدات ، ويلحظ أن أكثر من 50% من موارد هذا البرنامج خصصت للبلدان الإفريقية بسبب توطن الجفاف فيها.
(14) وهو برنامج وُضع بتعاون بين البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ، ويهدف إلى محاربة انتشار المرض ضمن منطقة مساحتها 1.100.000 كلم2 ، وذلك بالتعاون مع حكومات دول إفريقية وغربية.
(15) كان الغرض من إنشاء المفوضية هو الإشراف على شؤون اللاجئين في جميع أنحاء العالم، وهي تقوم بمساعدتهم من خلال برامج العودة أو التوطين مع تلبية احتياجاتهم الآنية، وقد بلغت قيمة التبرعات للميزانية السنوية من طرف المملكة 4,5 مليون ريال، كما أن التبرعات الاستثنائية بلغت قيمتها أكثر من 225 مليون ريال.
(16) اللجنة الدولية عبارة عن مؤسسة دولية إنسانية مستقلة تعمل بصفتها وسيطاً محايداً في المنازعات ولاضطرابات لحماية ضحايا الحروب الأهلية والعالمية ومساعدتهم.
(17) يتميز الصندوق ببنية فريدة من نوعها بين المنظمات الاقتصادية الدولية ذلك أن 1800 صوت المكونة لقاعدة التصويت موزعة على ثلاث مجموعات لكل منها 600 صوت ، وهي بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومجموعة البلدان الأعضاء في الأوبك، وأخيراً البلدان النامية التي كان يفوق عددها عند تأسيس مائة دولة.
(18) صدر المرسوم الملكي رقم 1401 بتاريخ 25/5/1981م ، ويقضي بمضاعفة حصة المملكة في الصندوق ، ويقضي بمضاعفة حصة المملكة في الصندوق والتنفيذ الفوري للاتفاق ، انظر : مؤسسة النقد العربي السعودي _ ملخص الإحصاءات لعام 1981م ، ص 33 .(19) الدول المسهمة الرئيسة في رأس مال الصندوق هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الاتحادية واليابان.
(20) وهو برنامج وضعه الصندوق لمواجهة آثار الأزمة النفطية على البلدان النامية غير المصدرة للنفط لدعم قدراتها على التزويد بالنفط مقابل شروط ترتبط بمتابعة برنامج تقشفي للاقتصاد في الطاقة واستعمال الطاقات البديلة والمتجددة.
(21) ثم التعبير عن هذه المواقف من خلال حوار أجرته صحيفة الشرق الأوسط مع المدير التنفيذي السعودي في الصندوق الدكتور يوسف نعمة الله (عدد 19/3/83) ، وكذلك محاضرات الشيخ زكي اليماني في الولايات المتحدة وأوربا. انظر لمزيد من التفصيل، د عز الدين صالحان " صندوق النقد الدولي والمساهمة السعودية" معهد الإنماء العربي بيروت 1983م، ص 195.